سيد محمد طنطاوي
189
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمة روايات منها : ما رواه السدى من أنها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد واقعة أحد : أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي فأواليه وأتهود معه لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث . وقال الآخر : وأما أنا فإني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام فأواليه وأتنصر معه . فأنزل اللَّه تعالى الآيات . وقال عكرمة : نزلت في أبى لبابة بن عبد المنذر ، حين بعثه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : إلى بني قريظة فسألوه : ماذا هو صانع بنا ؟ فأشار بيده إلى حلقه ، أي : إنه الذبح . وقيل نزلت في عبد اللَّه بن أبي بن سلول فقد أخرج ابن جرير عن عطية بن سعد قال : جاء عبادة بن الصامت من بنى الحارث بن الخزرج إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال يا رسول اللَّه إن لي موالي من يهود كثير عددهم . وإني أبرأ إلى اللَّه ورسوله من ولاية يهود وأتولى اللَّه ورسوله . فقال عبد اللَّه بن أبي : إني رجل أخاف الدوائر ، لا أبرأ من ولاية موالي . فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لعبد اللَّه بن أبي : يا أبا الحباب ، ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو إليك دونه قال : قد قبلت . فأنزل اللَّه تعالى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ والنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ . . . ) * إلى قوله : * ( نادِمِينَ ) * « 1 » . والخطاب في قوله عز وجل : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ والنَّصارى أَوْلِياءَ ) * للمؤمنين جميعا في كل زمان ومكان ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . الأولياء جمع ولى ويطلق بمعنى النصير والصديق والحبيب . والمراد بالولاية هنا : مصافاة أعداء الإسلام والاستنصار بهم ، والتحالف معهم دون المسلمين . أي : يا أيها الذين آمنوا باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . ، لا يتخذ أحد منكم أحدا من اليهود والنصارى وليا ونصيرا ، أي : لا تصافوهم مصافاة الأحباب ، ولا تستنصروا بهم ، فإنهم جميعا يد واحدة عليكم ، يبغونكم الغوائل ، ويتربصون بكم الدوائر ، فكيف يتوهم بينكم وبينهم موالاة ؟ . وقد نادى - سبحانه - المؤمنين بصفة الإيمان ، لحملهم من أول الأمر على الانزجار عما نهوا عنه ، إذ أن وصفهم بما هو ضد صفات الفريقين - اليهود والنصارى - من أقوى الزواجر عن موالاتهما :
--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 6 ص 257 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 68 .